فصل: مسألة الرجل يزوج أم ولد رجلا فتلد له أولادا ثم يريد أن يهب بعض بناتها لولده:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الإفراد بالحج أفضل من التمتع ومن القران:

قال ابن القاسم: قد حججت حججا ما تمتعت قط ولا قرنت.
قال محمد بن رشد: هذا يدل من قوله وفعله على أن الإفراد بالحج أفضل من التمتع ومن القران، وهذا هو مذهب مالك على ما روي عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفرد الحج» وقد اختلفت الآثار بما كان له محرما صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجته التي حج فيها بعد أن فرض الحج وهي حجة الوداع، فروي أنه أفرد الحج، وروي أنه قرن، وروي أنه تمتع، بآثار ثابتة صحاح لا مطعن لأحد فيها، فمن ترجح عنده فيها أنه كان مفردا رأى الإفراد أفضل، وإلى هذا ذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ، ومن ترجح عنده منها أنه كان قارنا رأى القران أفضل، ومن ترجح عنده منها أنه كان متمتعا رأى التمتع أفضل، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا فضل لواحد منها على الآخر، إذ قد روي في كل واحد منها أن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ كان محرما به، وقد اختاره جماعة من السلف وعمل به، ومنهم من ذهب إلى أن الإفراد أفضل، ثم التمتع؛ لأنه المذكور في القرآن، ثم القران؛ لأنه مقيس على التمتع، ومن حجة من ذهب إلى أن الإفراد أفضل وجوب الهدي على المتمتع والقارن، قالوا: وإنما وجب عليهما للنقص في عملهما، فما لا نقص فيه أفضل، وقال من ذهب إلى أن القران والتمتع أفضل: ليس الهدي فيها جبرا لنقص، وإنما هو زيادة فضل بدليل جواز الأكل منه، ولو كان لجبر نقص لم يؤكل منه كما لا يؤكل من الفدية، قال بذلك من ذهب إلى أنه لا يؤكل من هدي الفساد والفوات، ولا من كل هدي يساق لشيء نقص من أمر الحج، والأصح من جهة الإسناد أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنا؛ لأنه قد جاء عنه أنه قال لعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لما قدم عليه من اليمن: «بماذا أهللت؟. قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، قال: فإني قد سقت الهدي وقرنت». وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أعلم بأمره وبما كان به محرما من غيره، وعلى أنه كان قارنا يمكن أن يصحح الآثار كلها ويجمع بينها بما ينفي الاختلاف والتعارض عنها، وذلك على وجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون أحرم حين صلى الركعتين في المسجد بعمرة مفردة، فلما استوت به راحلته في فناء المسجد أهل بحجة مفردة أضافها إلى العمرة المتقدمة، فصار بذلك قارنا، فلما أشرف على البيداء وهو قارن، قال: لبيك بعمرة وحجة معا، قال من حضره في المسجد حين أهل بعمرة وغاب عنه فيما بعد ذلك: إنه تمتع. وقال من حضره حين استوت به راحلته وغاب عنه في المسجد وحين أشرف على البيداء: إنه أفرد الحج، وقال من حضر الأمرين جميعا أو من حضره حين أطل على البيداء: إنه قرن، والوجه الثاني وهو الأظهر: أنه أحرم أولا بحجة مفردة؛ على ما روي عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفرد الحج، ثم فسخ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك حجة في عمرة؛ نقضا لما كان عليه أهل الجاهلية من أنهم كانوا لا يستبيحون العمرة في أشهر الحج، ويرون ذلك من أفجر الفجور، فكانوا يقولون: إذا برئ الدبر وعفا الأثر ودخل الصفر حلت العمرة لمن اعتمر؛ لأنهم كانوا يسمون المحرم صفرا فصار بذلك متمتعا، ثم لما دخل مكة أردف الحج على العمرة فصار قارنا، فصدق من قال: إنه أفرد الحج، وصدق من قال: إنه تمتع، وصدق من قال: إنه قرن؛ لأنه كان في حال مفردا، وفي حال متمتعا، وفي حال قارنا، ويشهد هذا لما ذهب إليه مالك رَحِمَهُ اللَّهُ من أن الإفراد أفضل بالحج؛ لأنه الذي أحرم به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولا، وإنما فسخه في عمرة لينقض بفعله ما كان عليه أهل الجاهلية، والله تعالى هو الموفق، لا رب غيره، ولا معبود سواه.
تم الجزء الثاني من الحج بحمد الله تعالى وحوله وقوته والحمد لله.

.كتاب الاستبراء:

.مسألة ابتاع أمة ولم يذكر هو ولا البائع استبراء:

كتاب الاستبراء من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب القبلة قال سحنون: وقال ابن القاسم: سمعت مالكا قال فيمن ابتاع أمة ولم يذكر هو ولا البائع استبراء، فلما وجب البيع طلب البائع النقد، وقال المشتري: حتى نستبرئ رحمها بحيضة، قال: قال مالك: إن كانت الجارية مما يراد بها الوطء فلا ينقد حتى توضع على يدي عدل حتى يستبري رحمها بحيضة، وأما ما اشتري من الجواري للخدمة فأرى البيع يجوز وينقد الثمن، فإن كان بها حمل ردها على البائع، قال ابن القاسم: قال لي مالك: وإن كان البائع مسافرا لزمته المواضعة في الجارية التي مثلها يراد للوطء.
قال محمد بن رشد: مذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ أن المواضعة واجب في الجواري المرتفعات، وإن لم يطأها سيدها البائع إلا أن تكون ظاهرة الحمل أو زانية أو ذات زوج أو في عدة منه، لم يختلف قوله في ذلك كما اختلف في العهدة فيحكم بها عنده على المقيم والغريب، ولا يرخص في تركها للمسافر والمجتاز، وهي أن توضع الجارية على يدي أمين أو رجل له أهل حتى يعرف براءة رحمها من الحمل بحيضة إن كانت من ذوات الحيض وبثلاثة أشهر إن كانت يائسة من الحيض بكبر أو صغر إذا كانت ممن توطأ بكرا كانت أو ثيبا أمن منها الحمل أو لم يؤمن، وقد قيل: إذا أمن الحمل منها فلا مواضعة فيها، والضمان في ذلك من البائع، والنفقة عليه، فلا يجوز أن يتلذذ بشيء منها وإن كان الضمان عليه والنفقة عليه من أجل أنه قد أوجبها لغيره، ولا يجوز للمشتري ذلك أيضا من أجل أن الضمان من غيره، وإن اشتراها في أول دمها أو في عظمه كان ذلك براءة لرحمها ولم يكن فيها مواضعة، وقد كان روي عن مالك أنها تستأنف حيضة أخرى ثم رجع عنه، ولا يجوز النقد في ذلك بشرط، وليست المواضعة بواجبة إجماعا إلا في التي وطئها سيدها وإن كانت من الوخش. وقد قال أصبغ: بيوع البلدان كلها ما عدا المدينة، وهي بيوعنا بمصر أيضا في الجواري المرتفعات، ترك المواضعة وتعجيل النقد، فلا يفسد البيع بترك المواضعة إلا أن يشترط تركها وتعجيل النقد والبراءة من الحمل، وفي ذلك اختلاف كثير سنذكره في الرسم الذي بعد هذا، وقد مضى في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب العيوب سبب وجوبها والفرق بين ما تنعى به الحمل في المرتفعات من الجواري وبين سائر ما يوجد بها من العيوب لمن أحب الوقوف عليه، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يشتري الجارية فيواضعه للاستبراء:

وقال سحنون: سئل مالك عن الرجل يشتري الجارية فيواضعه للاستبراء، فيقول البائع: هلم الثمن فواضعه على يد رجل، فقال مالك: ليس له ذلك عليه، وإنما يدفع الثمن إذا وجبت له الجارية.
قال محمد بن رشد: ابن المواز يرى أن يوضع الثمن على يدي عدل ويحكم بذلك على المبتاع، وهو قول مالك في الواضحة، وفي كتاب ابن عبدوس، وظاهر ما في كتاب الاستبراء والبيوع الفاسدة من المدونة. واختلف إذا وضع بيد عدل فتلف قبل خروجها من الاستبراء، فقيل مصيبته ممن كان يصير إليه، وهو قول مالك في كتاب الاستبراء من المدونة، وقيل: إنه من المبتاع، روي ذلك عن مالك، وعلى قوله هذا إن خرجت الجارية صحيحة من المواضعة لزمه ثمن آخر، وقيل: إنه يسقط ذلك عنه تلف الثمن، بفسخ البيع، ومعنى ذلك عندي إن لم يرد أن يؤدي ثمنا آخر من عنده، واختلف أيضا إن خرجت معيبة من المواضعة والثمن قد تلف، هل يأخذها بالثمن التالف أم لا؟ ففي نوازل سحنون بعد هذا عن أشهب وابن القاسم أن له أن يأخذها بالثمن التالف، وعن غيرهما أن ذلك ليس له إلا أن يغرم ثمنا آخر، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، فقال: لو كان له أن يأخذها بالثمن التالف لوجب إذا تلف الثمن أن يعطي السلعة والجارية، إذ لا يشك أحد أنه يختار أن يأخذها إذا لم يؤد فيها ثمنا آخر. وفرّق ابن الماجشون في ديوانه على ما فسره ابن عبدوس بين أن يحدث العيب قبل تلف الثمن أو بعده، فقال: إن حدث العيب قبل تلف الثمن كان له أن يأخذها معيبة بذلك الثمن التالف؛ لأن الخيار قد كان وجب له قبل تلف الثمن، فليس يسقط ذلك عنه تلف الثمن، وإن تلف الثمن قبل حدوث العيب لم يكن له أن يأخذها بذلك الثمن التالف إلا بثمن يدفعه، وبالله التوفيق.

.مسألة وصي رجل باع رقيقا له في ميراث باعه ونادى فيه إنه بيع ميراث فلان:

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة:
وسئل مالك: عن رجل وصي رجل باع رقيقا له في ميراث باعه ونادى فيه إنه بيع ميراث فلان، فباع فيه جارية بمائة دينار، فلما وجب البيع للبائع قال له: تدفع الثمن إلي، فقال له المبتاع: لا حتى أوضعك الجارية، فإني أخشى أن تكون حاملا، فقال له البائع: إنها جارية فلان ابن فلان، وهي ممن لم تكن توطأ، وقد بعناك بيع ميراث، قال مالك: أرى له أن يواضعه إياه ولا يعطيه الثمن حتى تخرج من الحيضة، فإن ألفيت حاملا ردها المبتاع ولم ينفعه شرطه عليه أنها بيع ميراث.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه أعلمه في المذهب أن الحكم بالمواضعة واجب في بيع الميراث وبيع السلطان كما هو في بيع الناس بعضهم من بعض، لا يفسد البيع بتركها وإن قصدوا فيه إلى ذلك بعادة جروا عليها ما لم يشترطوا تركها نصا، فإن اشترطوا ذلك نصا ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن البيع جائز والشرط جائز، وهو قول ابن عبد الحكم، والثاني: أن البيع فاسد، قاله أبو بكر الأبهري، ومثله في كتاب ابن المواز في قول، وقاله ابن حبيب إذا اشترط ترك المواضعة وتعجيل النقد، ومثله في رسم العتق بعد هذا من سماع عيسى، والثالث: أن البيع جائز والشرط باطل ويخرج إلى المواضعة، وهو قول مالك في المدونة، وفي رسم تأخير صلاة العشاء بعد هذا. فإن ماتت على هذا القول قبل أن تخرج من المواضعة، فقيل: إن مصيبتها من المشتري إن ماتت عنده، حكى ذلك إسماعيل القاضي في المبسوط عن مالك، وقيل: إنها إن ماتت في مقدار ما يكون فيه استبراء لها فمصيبتها من المشتري، وإن ماتت قبل أن يمضي لها من المدة ما يكون فيه استبراء لها، وهو الشهر فمصيبتها من البائع، وهو قوله في المدونة. وأما إذا باعها بشرط البراءة من الحمل فالمشهور من قول مالك وأصحابه أن البيع فاسد والمصيبة من المشتري إن بلغت قبل قبضه على حكم البيوع الفاسدة، وقيل: البيع جائز والشرط باطل، وقع هذا القول في كتاب محمد، وقيل: البيع جائز والشرط جائز، وهو قول ابن عبد الحكم، وبالله التوفيق.

.مسألة الأمة يبتاعها الرجل فتبيت عنده ثم يدعي أنها حامل:

ومن كتاب أوله سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
وسئل مالك: عن الأمة يبتاعها الرجل فتبيت عنده ثم يدعي أنها حامل، قال مالك: فيستأني بها حتى يتبين أنها حامل، فإذا يتبين أنها حامل وشهد النساء ردت بشهادة النساء، فإذا وجد الحمل بعد ذلك باطلا لم ترد إلى المشتري، ولا ينبغي أن يستأنى بها حتى تضع؛ لأن الضمان منه، ولكن إذا شهد النساء أنه حمل وتبين ذلك ردت على بائعها ولم يستأني بها للوضع.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الحمل عيب، وشهادة النساء فيه جائزة؛ لأنه مما لا يطلع عليه إلا هن، فتجوز فيه شهادة امرأتين منهن، وهو لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، ولا يتحرك تحركا بينا يصح القطع على تحركه في أقل من أربعة أشهر وعشر، فإذا شهد النساء أن بها حملا بينا لا يشكنّ فيه من غير تحريك ردت فيما دون ثلاثة أشهر، ولم ترد فيما زاد على ذلك لاحتمال أن يكون حادثا عند المشتري، وإذا شهدن أن بها حملا يتحرك ردت فيما دون أربعة أشهر وعشر، ولم ترد فيما فوق ذلك لاحتمال أن يكون حادثا عند المشتري، فإن ردت ثم وجد المشتري ذلك الحمل باطلا لم ترد إلى المشتري كما قال، إذ لعلها قد أسقطته فكتمت ذلك، وقد روي عن مالك أن النفقة لا تجب للمطلقة البائن بظهور الحمل بها حتى تضعه، وأن اللعان لا يكون عليه إلا بعد وضعه، وأن الأمة الحامل من سيدها لا يحكم لها بحكم الحرة بظهور الحمل بها بعد موته حتى تضع، فعلى قياس هذا لا يجب رد الأمة بحمل يظهر بها عند المشتري لم يكن ظاهرا بها حين البيع، ويستأنى بها حتى تضع، فإن وضعته حيا لأقل من ستة أشهر كان له ردها بعيب الولد والولادة، وإن مات الولد ردها بعيب الولادة إن كانت قد نقصتها، وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر لم ترد لاحتمال أن يكون أصل الحمل عند المشتري، وبالله التوفيق لا شريك له.

.مسألة ابتاع أمة وهي في عدتها من وفاة أو طلاق:

ومن كتاب سعد في الطلاق:
وقال مالك: من ابتاع أمة وهي في عدتها من وفاة أو طلاق فلا تجرد لينظر منها عند البيع، ولا يلتذ منها بشيء إذا ابتاعها حتى تنقضي عدتها.
قال سحنون: روى ابن وهب عن مالك مثله.
وقال سحنون: ليس على من ابتاع جارية وهي في عدة من طلاق أو وفاة مواضعة الاستبراء إلا أن المبتاع يستبري لنفسه؛ لأن الحمل بها ليس بعيب، إنما هو من زوج قد علم بذلك ورضي به، فإن جاءت بولد فإنما هو من زوج قد علم أنها في عدة منه.
وقال مالك: من كانت له أمة حامل من غيره فلا يحل له وطؤها كان حملها ذلك عنده أو عند غيره من زوج أو زنا، فلا أرى أن يقبلها أو يباشرها ولا يغمزها تلذذا حتى تضع حملها.
قال محمد بن رشد: قول مالك إن من ابتاع أمة وهي في عدتها من وفاة أو طلاق: إنه لا يجوز له أن يتلذذ بشيء منها في حال عدتها- صحيح؛ لأنه وإن كان الضمان منه، إذ لا مواضعة فيها، فالنسب لاحق بالزوج الذي هي في عدة منه، كمن زوج أمته فدخل بها زوجها ثم مات عنها أو طلقها، فإنه لا يحل له أن يتلذذ بشيء من أمرها في حال عدتها، وإنما يختلف فيمن اشترى أمة من الوخش أو حاملا ظاهرة الحمل أو في المقاسم وهي حامل أو غير حامل لأن بيع المقاسم بيع براءة، وإن ظهر بها حمل لم يردها؛ فمالك: يرى أنه لا يجوز أن يتلذذ منها بما دون الوطء في حال حملها ولا في حال استبرائها، إذ لا يجوز له الوطء في تلك الحال، وغيره: يبيح له أن يتلذذ منها بما شاء من قبلة أو مباشرة، روي ذلك عن عبد الله بن عمر وغيره من السلف، وذهب إليه ابن حبيب، وقول سحنون: إنه لا مواضعة في الجارية التي تشترى وهي في عدة من وفاة أو طلاق صحيح، لا اختلاف فيه؛ لأن المشتري إنما وقع شراؤه على أنها مشغولة الرحم بماء زوجها، وإن ظهر بها حمل لم ينقص ذلك من ثمنها كثيرا، وكذلك لو اشتراها وهي في استبرائها من زنا لم يكن فيها مواضعة من أجل أن الحمل إذا ظهر بها لم ينقص من ثمنها كثيرا، والمواضعة إنما هي من أجل نقصان كثرة الثمن لحمل إن ظهر بها، وقول مالك أخيرا: إن من كانت له أمة حامل من غيره فلا يطأها، كان الحمل من زوج أو زنا صحيح لا اختلاف فيه؛ لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض» فإن فعل أدب إلا أن يعذر بجهل، ولم يعتق عليه هي ولا ما في بطنها، وقد روي عن الليث بن سعد: أنها تعتق عليه هي وما في بطنها، وقضى بذلك عبد الملك بن مروان، ذكر ذلك ابن حبيب. وأما قوله: إنه لا يقبلها ولا يباشرها ولا يغمزها تلذذا حتى تضع حملها- فهو مذهبه: أنه لا يجوز له أن يقبل ويباشر إلا ما يجوز له أن يطأ. وعلى ما ذكرناه من مذهب ابن حبيب يجوز له أن يقبل ويباشر إن كان الحمل ظاهرا من زنا، ولم يكن من زوج، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يشتري الجارية فيدفعها البائع إلى المشتري فينقلب بها:

ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء من الحرس:
وسئل مالك: عن الرجل يشتري الجارية فيدفعها البائع إلى المشتري فينقلب بها ثم يأتي البائع بعد ذلك بيوم أو يومين، فيقول: ادفع إلي الثمن، فيقول المشترى: لا أدفع إليك شيئا حتى تحيض وأستبريها، فيقول البائع: قد أغلقت عليها بابك وقد قبضتها مني، قال: قد ائتمنه عليها حين دفعها إليه، فأرى للمشتري ألا يدفع إليه الثمن حتى تحيض، فأرى أن يتواضعاها على يدي امرأة للحيضة، واحتج فقال: يمكنه منها ويأمنه عليها، ثم يقول: ادفع إلي الثمن، ما أرى ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن من حق المشتري أن لا يدفع إليه الثمن حتى تحيض؛ لأن النقد في الجارية التي يتواضع مثلها لا يجوز بشرط حتى تخرج من الحيضة، ولو زاد البائع في هذه المسألة أن يوقف له الثمن بيدي عدل إلى أن تخرج من الحيضة لم يكن ذلك له من أجل أنه قد دفع إليه الجارية، ولو دعا إلى ذلك قبل أن يدفع إليه الجارية لكانت المسألة التي قد مضى الخلاف فيها في أول رسم من السماع، وأما قوله: فأرى أن يتواضعاها على يدي امرأة فهو قول مالك في المدونة: إن البيع لا يفسد بترك المواضعة ويحكم بها بينهما ما لم يشترط البراءة من الحمل، وقد مضى هذا الاختلاف فيما يفسد به البيع من هذا المعنى في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، فلا وجه لإعادته، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة يبيع جارية له بالبراءة بيع السلطان فوجد بها حملا:

ومن كتاب صلى نهارا ثلاث ركعات:
وسئل مالك: عن الرجل يبيع جارية له بالبراءة بيع السلطان فوجد بها حملا، قال مالك: إن كانت جارية رائعة من جواري الوطء لم أر البراءة تنفعه في الحمل، فقيل له: ثمنها خمسون دينارا، قال: هذه رائعة، لا أرى البراءة تنفعه في الحمل إلا أن تكون جارية من الوخش للخدمة، فإني أرى البراءة في ذلك تنفعه.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير أن يبرأ في بيع البراءة من الحمل في الجارية الرائعة من أجل أن البراءة من الحمل فيها لا تجوز، فلما كانت البراءة منه لا تجوز، ويفسخ البيع بينهما، وكان لفظ البراءة لفظا عاما يحتمل أن يحمل على عمومه في الحمل وغيره، وأن يحمل على ما سواه مما لا يفسد البيع به. وحمله على ما سواه مما لا يفسد به البيع لم يفسخ إلا بيقين، وإنما لم تجز البراءة من الحمل في المرتفعات من أجل أن الحمل يهدم جل ثمنها، فيلزم على قياس ذلك لو اشترط البراءة من عيب يذهب بجل الثمن كالجذام ونحوه، ونص على ذلك أن يكون البيع فاسدا، إلا أن يفرق بينهما بأن الحمل غالب والجذام وشبهه من الأدواء نادر. وإلى أن لا فرق بينهما- ذهب ابن عبد الحكم، فقال: إن من باع شاة واشترط البراءة من الحمل في المرتفعات فالبيع جائز والشرط عامل قياسا على ما رجع إليه مالك من إجازة البراءة في الجنون والجذام والبرص الذي يكون قبل العقد ولم يعلم به البائع بعد أن كان يقول: لا تجوز البراءة فيما يعظم من الأشياء، وأما ما حدث في السمت من الجنون والجذام والبرص فهو يبرأ منه في بيع البراءة قولا واحدا، والله أعلم.

.مسألة أوصى عند موته لأم ولده بحليها وكسوتها إن قامت على ولدها:

وسئل: عن رجل كانت له أم ولد، وكان لها حلي وكسوة، فأوصى عند الموت إن هي قامت على ولدها فدعوا لها، ما كان لها، وإن هي لم تقم وتزوجت فخذوا ما كان في يديها من كسوة وحلي. قال مالك: ليس ذلك له، وأراه لها حين مات، وليس له أن ينتزع منها مالها مما أعطاه في مرضه، وأراها بمنزلة المدبرة.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا تجوز وصية الرجل في انتزاع كسوة أم ولده وحليها صحيح؛ لأن الحرية تجب لها بموته، فهو لا يجوز له أن ينتزع مالها في مرضه لقربها في تلك الحال من العتق كالمعتق إلى أجل إذا قرب أجل عتقه والمدبر، فإذا لم يجز له أن ينتزعه منها في مرضه فأحرى أن لا تجوز له الوصية بأن ينتزع منها بعد موته، وما كان لها من الحلي والثياب والمتاع الذي يشبه حالها فهو لها، وإن لم يعلم عطية سيدها ذلك لها، وأما الشيء المستنكر الذي لا يشبه أن يكون من هيئتها ولباسها فلا يكون لها بدعواها أنه لها إلا أن تكون لها بينة على أنها أعطيت ذلك أو وهبته أو اكتسبته، وهي في هذا بخلاف الزوجة؛ لأن القول قول الزوجة فيما كان من متاع النساء أنه لها وإن كثر إلا أن يكون للزوج بينة على أنه له أو على أنه اشتراه فيكون له بعد يمينه أنه إنما اشتراه بماله لنفسه لا لها، وهذا كله بين في الرسوم الباقية من هذا السماع، وفي رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، وبالله التوفيق.

.مسألة أم الولد إذا هلك عنها سيدها ولها حلي ومتاع:

ومن كتاب شك في طوافه:
قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في أم الولد: إذا هلك عنها سيدها ولها حلي ومتاع، أتراه لها؟ قال: نعم إلا أن يكون الشيء المستنكر.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم قبل هذا مما لا اختلاف فيه.

.مسألة أم الولد إن لم يكن لها شهود على عطية سيدها إياها:

ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا إلى أجل:
وقال مالك في أم الولد في ثيابها إذا كانت تستمتع بها وإن لم يكن لها شهود على عطية سيدها إياها وهو معروف أنها كانت تلبسه فأراها لها.
قال محمد بن رشد: وهذا أيضا مثل ما تقدم، فلا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يهلك ويترك أم ولد لها ثياب وحلي:

ومن كتاب أوله مساجد القبائل:
وسئل مالك: عن الرجل يهلك ويترك أم ولد لها ثياب وحلي، أتراه لها؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا مثل ما تقدم أيضا، ومثل القول فيه، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة رجل توفي وترك جارية حاملا منه أتتم حرمتها:

من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب الأقضية الثالث قالا: وسئل مالك: عن رجل توفي وترك جارية حاملا منه أتتم حرمتها؟ فقال: إذا كان حملها بينا فقد ثبتت حرمتها، قيل: إذا كان حملا بينا معروفا تمت حرمتها؟ قال: نعم، فقيل له: إذا مات الرجل وله جارية ولها منه حمل تمت حرمتها حتى تقتل من قتلها وترث وتورث؟ فقال: أما إذا مات عنها سيدها وهي لم تتم حرمتها ولم تجز شهادتها ولم تقتل من قتلها ولم ترث ولم تورث حتى يتبين حملها، فإذا تبين حملها وظهر وعرف تمت حرمتها وجازت شهادتها وقتل من قتلها وورثت وأخذ لها الحدود إذا بان حملها، قيل لها: إن المرأة ربما نظر إليها النساء فيقلن هي حامل وكبر بطنها ثم ينفش ذلك فلا يكون في بطنها شيء، فكيف ترث وتورث ويقتل بها من قتلها وهي لعلها ألا يكون لها حمل؟ قال: كذلك هذه، يوقف ذلك منها حتى يتبين حملها، فإذا تبين تمت حرمتها وورثت ورثتها وقتل من قتلها.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لمالك في الواضحة من رواية مطرف عنه. وفي كتاب ابن سحنون من رواية ابن القاسم عنه، قال: وتعجب من قول من يقول: لا تتم حرمتها حتى تضع، وقال المغيرة: توقف أحكامها حتى تضع، وهو قول ابن الماجشون في الثمانية، وعليه يأتي قوله في الواضحة: إن للأمة الحامل من سيدها إذا مات النفقة في ماله حتى تضع حملها إن كان من مذهبه أن أم الولد إذا توفي عنها سيدها وهي حامل فلا نفقة لها على المشهور في المذهب، إذ قد اختلف في ذلك حسبما قد ذكرناه في رسم سعد من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة. وقال ابن نافع في المدنية: لا يقتل من قتلها، ويستأنى بمن قذفها، فإن ولدت حد لها، وفيها- أعني في المدنية- قال عيسى: قال ابن القاسم: سألت مالكا عن القذف، وكان فيها اختلاف بالمدنية، فقال: أرى أن يضرب من قذفها الحد ثمانين إذا تبين حملها، قيل له: إن قوما يقولون: لو استؤني بها فلعل ذلك ينفش، فأنكر ذلك من قولهم وتعجب منه. وقد مضى في رسم من سماع ابن القاسم ذِكْرُ اختلاف قول مالك في وجوب الحكم للحمل بظهوره قبل وضعه، وبالله التوفيق.

.مسألة له أم ولد فيزوجها غلاما له فتلد منه أولادا فيهب جارية منهن لابنه:

ومن كتاب الأقضية:
وسئل مالك: عن الرجل تكون له أم ولد، فيزوجها غلاما له، فتلد منه أولادا فيهب جارية منهن لابنه، أيطؤها؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك، الرجل يتزوج المرأة ويتزوج ابنه ابنتها، فقيل له: أليس ولد أم ولد بمنزلتها؟ فقال: بلى، ولد كل ذات رحم بمنزلتها، فقيل له: أفليس ولدها معها معتق إلى أجل؟ فكيف يجوز له أن يهب معتقة إلى أجل فيطؤها؟ فسكت.
قال أشهب: والذي لا شك فيه عندي أن كل جارية فيها طرف من عتق فليس يجوز لسيدها أن يوطئها أحدا من الخلق، لا عبده ولا ولده ولا غيرهما بملك يمين ولا غيره، إلا بتزوج، فلا بأس بذلك، ومما يشبهه المدبرة، لا يجوز لسيدها أن يوطئها أحدا من الخلق بهبة، وله أن يزوجها.

.مسألة الرجل يزوج أم ولد رجلا فتلد له أولادا ثم يريد أن يهب بعض بناتها لولده:

ومن سماع ابن دينار من ابن القاسم من كتاب استأذن سيده قال: وسألت ابن القاسم: عن الرجل يزوج أم ولد رجلا فتلد له أولادا ثم يريد أن يهب بعض بناتها لولده أو لأجنبي، هل يجوز له أن يطأها؟ قال: قال مالك: لا يطؤها بملك يمين ولا يطؤها إلا بتزويج.
قلت: وكذلك بنات المدبرة لا يطؤهن غير سيدهن، قال: نعم، كذلك بنات المدبرة لا يطؤهن أحد سواه إلا بالتزويج.
وقال محمد بن رشد: رأى مالك رَحِمَهُ اللَّهُ أنه لا حرمة بين الرجل وبين ما ولدت أم ولد أبيه من غيره بعده ولا قبله، يحرم بها نكاحها، وأغفل النظر في صحة الهبة إذ سبق إلى ظنه أن القصد بالسؤال إنما هو إلى: هل بينهما حرمة أم لا؟ من أجل أنه قد اختلف في ذلك، فكان طاووس يكره للرجل أن يتزوج ما ولدت امرأة أبيه بعد أبيه من غير أبيه، وروى أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب النكاح: أن ذلك لا يحل له، ولذلك قال: لا بأس أن يطأها، يريد من جهة أنه لا حرمة بينه وبينها. وقوله: إنه لا حرمة بينه وبينها- هو الصحيح. وقول من قال: إنها لا تحل له، بعيد. وقد مضى في سماع أبي زيد من كتاب النكاح وجه الكراهية عند من كره ذلك لمن أحب الوقوف عليه، وأما هبة الرجل رقبة ولد أم ولده من غيره فلا يصح، إذ لا يملكها، وإنما له خدمتها طول حياته، فالهبة إنما تصح فيما يملك من اختدامها، ولا يصح بذلك للموهوب له وطؤها، كما قال أشهب ومالك في رواية عيسى عن ابن القاسم عنه، وقد كان الفقيه شيخنا أبو جعفر رَحِمَهُ اللَّهُ يحكي لنا عن الفقيه أبي عمر بن القطان أنه كان يقول: لا أقول إن مالكا وهم في إغفال النظر في صحة الهبة فأخطأ في الجواب، بل أقول: إنه أعمل الهبة في الرقبة مراعاة للاختلاف في جواز بيع أم الولد، فأجاز للابن وطأها بالهبة، وبالله التوفيق.